عين القضاة
57
شرح كلمات بابا طاهر العريان
بيان الإشارة قال : ( الإشارة إلى حقيقة المعرفة كفر ، وإلى المعرفة جحود ، وإلى الحقيقة شرك ) . أقول : الإشارة الإيماء إلى معيّن حسّا ، أو عقلا ، والكفر الستر . يعني : من أشار إلى حقيقة المعرفة رأى العارف والمعروف شيئا واحدا ، وفي ذلك رفع الإثنينيّة والفرق بين الربّ والعبد ، وهو كفر . ومن أشار إلى أنّه يعرفه بالألوهية فهو جاحد لوحدانيّته ، حيث أثبت لنفسه وجودا في مقابل وجوده . ومن أشار إلى أنّ وجود الحقّ حقيقة ، ووجود الغير مجازا أشرك ؛ لأنّ الإشارة تقتضي تغاير المشير والمشار إليه ، والحقيقة تأباه . وقال : ( اللّحظات مقرونة بالامتحان ، والخطرات مقرونة بالافتتان ، والإشارات مقرونة بالبليّات ) . أقول : أراد باللّحظة تأمّل القلب بأحوال الدنيا في الاستقبال ، وبالخطرة ما يخطر بالسرّ ممّا يرى به أحوال الآخرة ، وبالإشارة ما يومىء به إلى الحقّ ، ويرى به أحوال ما عند اللّه عزّ وجلّ ، كما قال الجنيد رضي اللّه عنه : « للّه عباد يرون ما وراءهم من الأشياء ، فيرون أحوال الدنيا بلحظات قلوبهم ، وأحوال الآخرة بخطرات سرّهم ، وأحوال ما عند اللّه تعالى بإشارات خفيّهم » . وكلّ واحدة من اللحظة ، والخطرة ، والإشارة ، سبب الابتلاء لصاحبها . وكما قال أيضا : أهل القلوب ابتلوا باللّحظات ، وأهل السرّ ابتلوا بالخطرات ، وأهل الخفيّ ابتلوا بالإشارات . وقال أبو العبّاس بن عطاء : هلاك الأولياء بلحظات القلوب ، وهلاك العارفين بخطرات الأسرار ، وهلاك الموحّدين بإشارات الخفيّ . والفرق بين القلب والسرّ والحقّ دقيق ، ومغاص تخصيص كلّ منها بوصفه المذكور عميق ، وليس من ضرورة المقام الفحص عنه . وأمّا كون اللّحظة والخطرة سبب الابتلاء ، فلأنّهما سببّا الالتفات إلى غير اللّه سبحانه ، وذلك عين الابتلاء .